سبتمبر 26, 2020

 لماذا أضاع المُسْلِمون عبادة التفكير والإجتهاد…؟

 لماذا أضاع المُسْلِمون عبادة التفكير والإجتهاد…؟

للأسف سادَ عقل قفل الدين ترباس عقول المُسْلِمين ،وأقفَلَوا عقْولهم،وقالوا كل بِدْعة ضَلالة وكل ضَلالة في النار…

التفكير في مَلَكُوت السماوات والأرض…
والإجتهاد في المُعاملات .
وقد فات المُسْلِمين ،أنه لا بِدْعة ولا اِبْتِدَاعُ في العبادات ،فالعبادات باقية وثابتة كما أُنزِلَت و وَرَدَت عن رسول الله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، إلى يوم القيامة ،لا زيادة ولا نقصان فيها ،فالصلاة والزَّكاةُ والصيام والحج ،عبادات ثابته لا تَقْبَل الزيادة ولا النقص كما أُنزِلَت وإلى يوم الدِّينُ ،ولا يجوز اِبْتِدَاعُ أو بِدْعة في العبادات لتحريفها أو نَقْصِها أو زيادتها ،تؤدَّى الفَرَائِضُ كما فُرِضَت ، أولاً ثم من أراد أن يتقرَّب بالنوافل فله أن يُتمِّم الفَرَائِضُ كما ينبغي أَدَاؤُها ،بمعنى لا تُغني النَوافِل والسّنَنَ عن الفَرَائِضُ ،ولا تُغني الصَدَقات عن الزَّكاةُ ، فإذا لم تؤدَّي الفَرَائِضُ في أوقاتها ،لا يُغني عنها أي بديل آخر .
بقيت المُعَامَلاَتُ ،وهي ما يَعمَله الإنسان من قول أو فعل في تعامله مع الناس في حياته ،هذه المُعَامَلاَتُ تتطور وتتجدد وتتغير ، مع الزمان والمكان ،لتُنَاسِب كل عصر وزمان ومكان ،ولا تظهر صلاحية الإسلام لكل عصر وزمان ومكان إلا من خلال المُعَامَلاَتُ الإسلامية المُتَجَدِّدَةً ،وهي جميع المُعَامَلاَتُ الإنسانية بين الناس في الحياة تُعتبر حَلاَلٌ حَلاَلٌ ما اجْتَنَبَت المُحَرَّمات المنصوص عليها في القرآن حصرياً ،فالقاعدة أن الحَلاَلُ واسع ،والمُحَرَّم ضَيّق ومحصور ومحدد .
ولأن المُعَامَلاَتُ هي التي فيها مجال التفكير من أجل التطوير .
ولا إجتهاد في عبادة ،ولكن لا بد من الإجتهاد في المُعَامَلاَتُ من أجل ملاْئَمتُها للعصر والزمان والمكان ،تُريح الناس في حياتهم فينعموا بالحياة بدلاً من أن يشقوا فيها .
عبادة التفكير :- 
من أفضل العِبَادَات ،هو التفكير في مُلك الله ومَلَكُوته ،لمعرفة عظمة قدرة الله في صُنْعه ،والتَّفَكُّرُ أيضاً في  خَلْقِ الإنسان في نفسه ، وفي أنفسكم أفلا تبصرون ،فقد دَعَا الله عز وجل عِبَادِه ،للتَّفَكُّرُ في كل شيئ سبحانك ربنا ما خَلَقَت هذا باطلاً فقِنْا عذاب النار وأدخلنا الجنة مع الأبرار (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)(آل عمران:191).
عبادة الاجتهاد :- 
هو اِسْتِبَاقُ إكتشاف أسرار الكون ومعرفة الإستفادة من أسباب الله المُسَخَّرَةٌ لجميع الناس في الأرض ،فالإجتهاد هو خلاصة وإخلاص العمل في القول والفعل للوصول إلى إكتشاف الحقائق الكَوْنيّة المُسَخَّرَةٌ للناس ومحاولة الإستفادة منها إلى أبعد الحدود ،وكلما أخذ الإنسان بالأسباب و عَرِف كيف يستفيد منها أكثر من غيره كُلَّما تقدم هذا الإنسان على غيره في إصلاح الأرض ،والحصول على ميراثها ،فالإجتهاد هو كل إصلاح في الأرض لزيادة منفعة الإنسان من الأسباب المُسَخَّرَةٌ له ،فالإرْثُ يَرِثَها عباد الله الصالحين ،الذين يجتهدوا في الصَلاَح في إصلاح الأرض لتُصبح الحياة مكاناً صالحاً للإنسان والحيوان والنبات والشجر ، كما كانت عليه من قبل لأن الله عز وجل خَلَقَ الأرض صالحة للحياة ،وأَمَر الإنسان أن يُصلَّح فيها ولا يُفسد فيها … 
فاِستبقوا الخيرات ،بالإجتهاد في إصلاح الأرض بالأعمال الصالحة التي تبني ولا تهدم ،والتي تُصلَّح ولا تُفسِد ،والتي تُحييَّ النفس ولا تقتلها ،التي تُسعِد ولا تُشقَّي ، تبني حضارة السلام ،فتَحَلَّ السلام مَحَلَّ الحروب ،ولا قِتال في الأرض بين الناس إلا من أجل حماية المظلوم ،وحماية إرادة وإختيار الإنسان في إختيار دينه بحرية الإختيار لا القهر ،لا إكراه في الدين ،فَمَنْ شَاءَ آمَنَ ومَنْ شَاءَ  كَفَرَ ،الله غني عن العالمين ،فَمَنْ آمَنَ فلنفسه ، ومَنْ كَفَرَ فعليها .
ما علاقة عبادة التفكير بعبادة الإجتهاد…؟ 
التفكير بداية الطريق للهداية ،هداية الإنسان أولاً في معرفة عظمة الخاَلِق الذي خَلَقَ فسوى وقَدَّر فهدى ،ومنها يَسْتَنْبط الإنسان أسرار الكون ،فيحاول الإَستفادة من هذه الأسرار لتطبيقها في حياته ،ثم يأتي دور الإجتهاد ،وهو ما يُعرف اليوم بالبحث والتطور العلمي (R&D) ،فيجتهد العلماء في التَعَمُّق في البحث في كيفية الإِستفادة من أسرار الكون العظيم ،وتسخير أسباب الله التي سَخَّرَها للناس جميعاً من آَمَنَ ومنهم ومن كَفَرَ ،فأسباب الكون من عطاء الرُّبُوبِيَّةَ للناس جميعاً ،ومَنْ أخذ وعمل بها أفضل وأحسن من غيره ،كُلَّما تَقَدَّم وتَرَقَّى في سُلَّم الحياة ، وإزداد قوة إلى قوته ،وما الحضارة في الأرض إلا جمع بين حلم تسمو به الأَخْلاَقِ،وعلم ينفع الناس في حياتهم ،وكُلَّمَا تَقَدَّم الإجتهاد في العلم ،زاد الناس رُقيَّاً وتَقَدُماً في معيشتهم ،وكُلَّمَا سبقت التربية في الصغر بالأخْلاَقِ تَسْتَقِمْ ،كُلَّمَا طال عمر تلك الحضارة و بقيت زمناً تُعَمَّر في الأرض ،فإذا زالت أخْلاَقِهم ،طغى العلم بهم ،فزالوا وزالت حضارتهم ،فيذهبوا بذهاب أخْلاَقِهم وطُغْيَان علمهم بعد أن تَجَرَدَّ العلم وإنفصل عن الأخْلاَقِ .
لهذا كان أولى بالمُسْلِمين ،أن يكونوا قادة العالم في البحوث العلمية والتَطَّور العلمي ،ويكونوا سادة الأرض في إصلاحها ، وإعمارها ،ومحاربة الفساد فيها ،ونشر السلام والمحبة والرحمة بين الناس جميعاً مَنْ آمَنَ ومَنْ كَفَرَ ،فالإسلام هو السلام ، ورحمته مُهداه للعالمين أجمعين (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(الأنبياء:107).
لقد أضاع المُسْلِمون إسلام العبادات بالطائفية والمذهبية ،والتَشَيَّع وإِتباع الباطل والهوى والشيطان(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)(الأنعام159).
وأضَاعَ المُسْلِمون إسلام المُعَامَلاَتُ ،بأن إِحتالوا بالحيلَّة فاِحتالوا على حوْل الزَّكاةُ بكل حِيلَة فمنعوها ،ونَصْبوا بكل نَّصْبُ فأنكروا النِّصَابُ وقالوا إنما نحن فقراء ومساكين لا تجب علينا الزَّكاةُ ،ونَسيَّ المُسْلمِين في جميع أسْقَّاع الأرض أنهم بإخراج الزكاة أنهم يتاجرون مع الله تجارة رابحة أرباحها مُضاعفة ،وما أنفقوا من مالاً يَخَلِفه الله لهم بأضعاف مُضاعفة ،فمالهم لا يصدقوا وعد الله لهم ، ويُخرِجوا زَكَاتُهم ،أَمَا عَلِم المُسْلِمين أن الزَّكاة مُرتبِطة بالصلاة ،فمَنْ لا يُزَكَّي لا صلاة له ،ومَنْ لا يُصَلَّي لا زَكَاة له ، ومن لم تَنْهَاهُ صلاته عن الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وظُلم الناس ،فلا صلاة له ،والزَّكَاة رُكْن من أركان الإسلام فَمَنْ منعها إِرتَدَّ عن الإسلام وأصبح مُرتَدَّاً ،ولهذا سُميَّت مُحاربة مَنْ منع الزَّكَاة بحروب الرِدَّة ،والمُرتَدَّ عن الإسلام ،هو كل من يدخل الإسلام ،ثم يقول لا أصلي ،أو لا أُزَكَّي ،أو لا أصوم ،ينتقي من الإسلام ما يُناسِبه ويعجبه ،ويترك مالا يُناسِبه ولا يعجبه ،هذا هو المُرتَدَّ ،نقول له إرجع عن إِمتناعك بأداء أركان الإسلام كاملة ،والا إذا لم تَتَّبْ إلى الله فتُقَاتَل وتُقْتَل لأنك مُرتَدَّ عن دين الله (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا (النساء:150).
وما ينطبق على الزَّكَاة التي أضاعها المُسْلِمين بين الحِيلَة في الحَوْلُ والنَّصْبُ في النِّصَابُ ،فقد أضاع المُسْلِمين أهم شيئ وهو الصدق في تعاملهم ومُعَامَلاَتِهم ، فالمُسْلِم الحق لا يكذب ،وقد لَعَنَ الله الذين كَذَبُوا على الله ،والكَذِبُ صفة أساسية من صفات النِّفَاق والمُنَافِقُ ،والمُنَافِقُ في الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ،حتى أصبحت مُعظم مُعَامَلاَت المُسْلِمين فيما بينهم وبين غيرهم مبنية على الكَذَبَ ،في عدم الوفاء ،وإخلاف الوعد والميعاد ،فلا حول ولا قوة إلا بالله العليَّ العظيم ،فَقَد ضيَّع المُسْلِمين دينهم في العبادات فاِتبعوا ما قال فلان وفلان ونَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ،وأضاع المُسْلِمين صدق المُعَامَلَة في مُعَامَلاَتِهم فأضاعوا الأمانة ، أمانة الأداء ، قبل تَحَمُّلها ،فالأمانة تُعرف عن أَدَائِها وليس عند تَحَمُّلها ،فَحَمَلِها ظُلُم ، وعدم أدائها خيانة وغدر ، ومن لم يؤدَّها فقد خان الأمانة .
المشكلة الكل يُنادي ويُطالب بالعودة للإسلام ،وقد نَسيَّ من يُطالب ذلك أن العودة ليست في أن تكون مُسْلِماً فقط ، لأن المُنَافِقُ يمكن أن يكون مُسْلِماً ويُسْيِئ للإسلام والمُسْلِمين ،ولكن كان يجب المطالبة بالعودة للإيمان الحقيقي الْمَبْنِيُّ على الحق والحقيقة وهي مَخافه الله في السر والعَلَنْ ،فالإيمان بالقلب يَصَدِقهُ العمل من قول وفعل ، لأنه لا يجتمع في قلب أو جوف واحد إيمان وكُفُر ،يا إيمان حق ،أو كُفُر والعَيَّاذُ بالله ،ولهذا يُمكِن أن يجتمع في قلب المُنَافِق إسلام ظاهري يخدع به الناس ، وكُفُر في قلبه ،يَتَآَمر به على الإسلام والمُسْلِمين ،ولهذا قال الله عز وجل للمُنَافِقين من الأعراب أن لا يقولوا آمَنَّا لأنه لم يدخل الإيمان في قلوبهم ،ولكن قال لهم قولوا أَسْلَمْنَا ،إسلام ظاهري وهذا هو دَيْدَنُ المُنَافِقين(قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(الحجرات:14).
اليوم مطلوب من عُلَماءُ المُسْلِمين ومُطَالَبيِن أكثر من أي وقت مضى ،إعادة الإعتبار إلى عبادة التفكير والإجتهاد فيما ينفع الناس في الأرض ، فما ينفع الناس يَمكُث في الأرض ، أَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً(أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ)(الرعد:17).
ولهذا يجب على كل مُسْلِم أن يَصَدُق قوله فعله ،لأن العمل قول باللسان وفعل بالجوارح ، فمن لم تَصَدُق أقواله وأفعاله فعمله عمل غير صالح لأنه فيه تَنَاقُض بين القول والفعل(كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)(الصف:3)،لاحظ فقد وَرَدَ في الآية الكريمة جمع العمل في القول والفعل ،فإذا كان القول يُخُالِف الفعل ،فإن ذلك العمل عمل غير صالح ،الله يُحِبْ أن يَصْدِق القول الفعل ،فيُصبح ذلك العمل عملاً صالحاً…
نسأل الله أن يُلْهِم الجميع الرُشْدَ والصواب ،في القول وفي الفعل ،ويهديهم طريق الرَشَادُ ، الطريق الْمُسْتَقِيمَ الهادي إلى صراط الله العزيز الحكيم .

سُبْحَانَك رَبِّ الْعِزَّةِ و الجلال عَمَّا يَصِفُونَ ،وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ،
و صَلِّ الْلَّهُم وَسَلِم وَبَارِك عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّد عَلَيْهِ أفضَلَ الصَلَاةُ وَالسَلَامُ ، 
و الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
 
sign1

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[stock_ticker]